الجنوب برس
التآكل المزدوج.. إخفاق السياسة السعودية والدفع بالشعوب إلى القبول بخصوم الرياض.. حالة التعاطي السعودي مع جنوب اليمن انموذجاً..
كتب - رائد الجحافي
إن مقاربة الإكراه المادي التي تنتهجها الرياض في جنوب اليمن لا يمكن عزلها عن سياق أشمل، نمط من السلوك الاستراتيجي تجاه الجوار العربي اتسم، على مدى عقود، بـفائض القوة وعجز الشراكة. وهنا تكمن المفارقة الجيوسياسية الأخطر، وهي إن سياسة سعودية فاشلة تجاه الشعوب العربية، والمجاورة لها تحديداً، هي التي تعيد إنتاج شروط قبول تلك الشعوب بأي امتداد خارجي، حتى لو كان معادياً للمملكة. فالقوة التي تفشل في كسب العقول، تدفع القلوب قسراً إلى أحضان الخصوم..
فمن مبدأ عدم التدخل إلى مأزق التدخل المولد للتدخل المضاد يشكل اللجوء إلى الخيار العسكري ضد مكون جنوبي ذي مشروعية تاريخية وتمثيل واقعي انتهاكاً مركباً لمبدأ التسوية السلمية للنزاعات المنصوص عليه في المادة 33 من ميثاق الأمم المتحدة، ونسفاً للركيزة التعاقدية التي شرعنت التدخل أصلاً وهي طلب حكومة معترف بها. فالتحول من إسناد الشرعية الدستورية إلى هندسة الإرادات الشعبية بالقوة يخرج الفعل من دائرة الدفاع عن النفس الجماعي المشروع بموجب المادة 51، ويدخله في نطاق استخدام القوة لغايات سياسية المحظور بموجب المادة 2/4..
لكن الإشكالية الأعمق هي قانونية استراتيجية،من حيث إن التدخل الذي يفتقر إلى الإجماع المحلي يُنتج بالضرورة فراغ شرعية لا يلبث أن يملؤه طرف خارجي آخر. وهكذا تتحول سياسة منع التمدد الإيراني إلى سياسة استدعاء التمدد الإيراني بفعل فاعل. فحين تغلق الرياض أبواب الحل السياسي أمام الجنوبيين، فإنها تفتح، موضوعياً، نوافذ عواصم إقليمية واجنبية. هذه هي ديالكتيك الإكراه، أي كل فعل إخضاع يولد رد فعل قبول للخصوم .
هذا بالإضافة إلى إخفاق عقيدة الجوار وتداعياته على الأمن القومي السعودي من حيث أن الكلفة التي تتحملها المملكة تتجاوز البعد القانوني الضيق إلى تآكل العقيدة الاستراتيجية برمتها..
وهنا تظهر انهيار سردية، المملكة كعمق عربي، وفق ما قامت عليه العقيدة الأمنية السعودية تاريخياً على اعتبار الجوار العربي عمقاً استراتيجياً، وحزام أمان. لأن سياسة قوامها الاحتواء الأمني بدل الاحتواء السياسي، وشراء الولاءات بدل بناء الشراكات، أنتجت نتيجة عكسية، تتمثل في تحول الجوار من مصدّ إلى خاصرة رخوة.
إن إخفاق الرياض في إدارة علاقتها بالشعوب العربية المجاورة هو الذي حول رغبة هذه الشعوب من الحياد الإيجابي إلى القبول الضمني بأي مشروع إقليمي مناوئ للسعودية، كنوع من توازن الضعف. هذا هو جوهر الارتداد الاستراتيجي حين تتحول سياستك إلى مصنع لأعدائك..
وكذلك تفكك رأس المال الدبلوماسي وصعود المساءلة العابرة للسيادة، وهذا في النظام الدولي ما بعد حداثي، لم تعد السيادة درعاً مصمتاً. إن مفهوم المسؤولية عن الحماية والولاية القضائية الدولية وسلطة الرأي العام العابر للحدود شكّلت مجتمعة منظومة مساءلة ما فوق وطنية..
استخدام القوة لفرض واقع سياسي على شعب الجنوب يعد في العرف الدبلوماسي إفلاساً في القوة الناعمة ويترجم عملياً إلى وصم أخلاقي يضعف الموقف التفاوضي للمملكة في كل ملف، من النووي الإيراني إلى أمن البحر الأحمر..
فالدولة التي تتهم بقمع شعب مجاور، تفقد أهليتها الأخلاقية لقيادة محور الاعتدال..
هذا بالإضافة إلى معضلة الاستنزاف المزدوج، وهو استنزاف الموارد واستنزاف الشرعية، وتبرز سردية المستنقع اليمني اليوم إلى توصيف استخباراتي، ولم تعد استعارة صحفية، في عواصم القرار. لكن الاستنزاف الأخطر ليس المادي، بل الرمزي. فكل طلقة تطلق في الجنوب هي رصاصة في رصيد الشرعية الإقليمية للرياض. وهذا يقود إلى معادلة صفرية قاتلة، تساوي نتيجة مفادها انه كلما كسبت المملكة متراً على الأرض، خسرت كيلومتراً في الوعي الجمعي العربي. والنتيجة هي عزلة استراتيجية مُغلفة بتحالفات شكلية..
أما إذا نظرنا إلى المسؤولية الدولية وأثر الفراشة الجيوسياسي من منظور القانون الدولي، فإن الأفعال غير المشروعة دولياً ترتب المسؤولية الدولية للدولة، وفق ما كرسته لجنة القانون الدولي. وحتى مع تعذر تفعيل آليات المساءلة القضائية بسبب الفيتو والحصانات، فإن المسؤولية السياسية والتاريخية لا تسقط..
إن تحول المملكة من حامية للشرعية اليمنية كما تزعم إلى طرف في النزاع على تقرير مصير الجنوب يُسجل كـسابقة قانونية في أرشيف الدبلوماسية، تستدعى لاحقاً لتقويض أي خطاب سعودي حول السيادة ورفض التدخلات الخارجية..
لكن الأخطر هو أثر الفراشة الجيوسياسي، وهو إن وجود سياسة سعودية فاشلة في الجنوب لا تنتج ارتهان الجنوبيين فقط، بل تعطي المبرر الأخلاقي والغطاء السياسي لتدخلات إقليمية أخرى في خاصرة المملكة، من البحر الأحمر إلى الخليج. لان الشعوب التي تسد أمامها أبواب الرياض، ستفتح نوافذ عواصم أخرى معادية للرياض. وهكذا تصبح السياسة السعودية، بغير قصد، الحاضنة الموضوعية لمشاريع الخصوم..
واجمالاً: لا يمكن كسب الجغرافيا بخسارة التاريخ،
لأن الرهان على كسر الإرادة الجنوبية بالقوة هو رهان على انتحار استراتيجي. فالتاريخ يُثبت أن الشعوب قد تهادن القوة، لكنها لا تنسى القهر. وكل سياسة تنتج إجماعاً ضدها في محيطها المباشر، هي سياسة تحفر قبرها بيدها..
المخرج الاستراتيجي الوحيد هو إعادة تعريف الأمن القومي السعودي، فهو لا يتحقق بإخضاع الجوار، بل بتحويله إلى حزام ولاء طوعي. وهذا لن يتم إلا عبر الانتقال من عقيدة الإملاء إلى عقيدة الشراكة، ومن منطق الوصاية إلى منطق الاعتراف المتبادل..
إن الدرس الجيوسياسي الأهم هو الشعوب العربية المجاورة ليست ملفاً أمنياً يدار من غرف العمليات، بل عمقاً استراتيجياً يكسب بالسياسة العادلة. وطالما استمرت سياسة إفشال الآخر بدل إنجاح الذات، فإن النتيجة الحتمية هي أن الرياض ستجد نفسها محاصرة ليس بأعدائها، بل بضحايا سياساتها..
فالفشل في الجنوب ليس فشلاً تكتيكياً في معركة، بل إعلان إفلاس لعقيدة إقليمية كاملة. والاستقرار لا يجب ان يستنبت في تربة العدالة والاعتراف..
للمزيد من الاخبار على :
https://algnoobpress.com/Home/Index/0?fbcli
#الجنوب_برس#عيون_جنوبية
او صفحتنا في الفيسبوك على الرابط:
https://www.facebook.com/share/g/1Dkv1pBc9
او على الوتساب:
https://chat.whatsapp.com/EGSQlSuoJNSH6t5xxtPpvN?mode=gi_
متابعة صفحتنا على (X) تويتر:
https://x.com/Algnoobpress t 5 #d