29/08/2025

للعظة والعبرة للخلف.. اطول فترة.. واطول مسافة.. وغادر مغدوراً وحيداً

 

كتب: أيوب التميمي

 

لم يكن يحمل حقيبة، ولا هاتفًا، ولا حتى خارطة طريق.

كان يحمل فقط وجهه المُتعب، وخيبة ثقيلة تمشي على قدميها، وسبعةً وثلاثين كيلومترًا من الأسى.

الرجل الذي كان يملك اليمن، لم يجد منزلًا… والذي صفّق له الملايين، مات وحيدًا.

لم يكن المشهد عاديًا… رئيسٌ حكم اليمن لأكثر من 33 عامًا، عاش في القصور، وتحت يده دولة وجيش وشيوخ قبائل، ينتهي به المطاف مطاردًا، هاربًا في سيارة، يبحث عن مأوى، فلا يجد من يفتح له بابًا.

 

المسافة من منزله في قلب صنعاء إلى مسقط رأسه في سنحان، لا تتجاوز 37 كيلومترًا، لكنها كانت أطول مسافة في حياته… كل مترٍ منها كان يحمل طعنة من قريب، أو خيبة من حليف.

 

الفيلم الوثائقي “المعركة الأخيرة”، الذي بثّته قناة “العربية”، لم يلفت انتباهي من زاوية الإخراج أو الصوت، بل مشهدٌ واحدٌ ظلّ عالقًا في ذهني: شهادة ابنه “مدين” وهو يروي لحظة هروب والده من منزله، بعد أن تخلّى عنه الجميع.

لم يكن هروبًا عاديًا… كان خروجًا صادمًا من عالم السلطة إلى واقع الحقيقة.

الرئيس الذي أغدق الأموال على كبار المشايخ، والذي زرع رجاله في كل مكان، لم يجد بيتًا تُفتح أبوابه، ولا طيقانًا تشاهد ما يحدث، ولا آذانًا تسمع أزيز الرصاص.

الطرقات التي فرشها نفوذًا، تحولت إلى صحراء موحشة.

والناس الذين طالما نادوه بـ”الزعيم”، أغلقوا أبوابهم حين سمعوا أنه قادم.

 

هذا المشهد لا يخص علي عبدالله صالح وحده، بل يكشف كيف يمكن أن تسقط الأنظمة التي تُبنى على المصالح لا المبادئ، وعلى شراء الولاء لا بنائه.

فالمال قد يشتريك رجالًا، لكنه لا يصنع منهم أوفياء.

والنفوذ قد يجعل حولك الكثير، لكنهم سيصمتون حين تسقط، أو يختفون.

والشعب الذي لم تكن معه في لحظات ضعفه، لن يقف معك حين تأتي لحظة ضعفك.

ومن لم يكن مع شعبه… فلا يظن أن الشعب سيكون معه.

فالخذلان لا يأتي من الخصوم، بل من أقرب الناس… من الذين ظننت أنهم السند، فإذا هم أول من يبيعك حين تهب رياح التغيير.

 

37 كيلومترًا من الخذلان… تكفي لتعلّم كل مسؤول درسًا لا يُنسى:

لا تغترّ بكثرة المصفّقين، ولا تظن أن الناس من حولك سيبقون معك إذا ضعفت.

مشهد الهروب في الفيلم الوثائقي “المعركة الأخيرة”، لم يكن مجرد لحظة هروبٍ من الرصاص، بل فرارًا من الوهم.

كان سقوطًا مهينًا لرجلٍ ظنّ أن الدولة شبكة علاقات، وأن الزعامة حشد أصوات، وأن الولاء سلعة قابلة للشراء.

فإذا به يكتشف، بعد ثلاثين عامًا من الحكم، أن لا شيء في قبضته… سوى الفراغ.

 

لم يكن وحده من سقط في تلك اللحظة، بل سقطت معه حقبة بأكملها.

سقطت ثقافة سياسية بُنيت على شراء الذمم، وبيع الكرامة، ومكافأة الانتهازي على حساب الشريف.

سقط وهم القوة، ووهم المال، ووهم الحشد.

في السياسة، لا يُغني الحلفاء عن الرجال.

وفي لحظة الحقيقة، لا يحميك إلا من وقف معك حين لم يكن في يدك شيء.

لذلك، فإن 37 كيلومترًا من الخذلان ليست مجرد مسافة هروب… بل هي طريق طويل من الغرور إلى العزلة، ومن القصور إلى العراء.

ومن يظن أن المنصب يصنع الأوفياء والصادقين، فهو واهم.

فالرجال لا يُصنعون بقرارات جمهورية، ولا يُخلقون في لجان وهيئات… الرجال يُعرفون عند السقوط، لا عند الظهور على شاشات التلفاز.

 

وإلى أولئك الذين يظنون أن المال كفيلٌ بشراء الولاء…

فالولاء الذي يُشترى، يُباع عند أول رصاصة.

والنفوذ الذي لا يقوم على الاحترام، يُهدم عند أول زلزال.

 

اختر من حولك بعناية…

لا تبحث عن المنافقين الذين يقولون “نعم” دائمًا، بل عن الأوفياء الذين ينبهونك حين تخطئ، ويقفون معك حين تقع.

فإن أخطر ما في السياسة ليس الخصم الذي يحاربك، بل الصديق الذي يطعنك.

والزعامة الحقيقية لا تُبنى بالهتافات، بل بالمواقف.

 

لم يكن علي عبدالله صالح أول من يختبر هذا الدرس، لكنه كان أكثرهم درامية.

وقد لا يكون الأخير.

 

37 كيلومترًا من الخذلان لم تكن طريقًا بين موقعين على الخريطة، بل بين موقعين في التاريخ:

من رجلٍ كانت تُصنع باسمه المهرجانات، إلى رجلٍ يُبحث عنه في الجبال كخطرٍ يجب تصفيته.

 

فهل يتعلّم من بقي؟

ربما…

إن قرأ “37 كيلومترًا من الخذلان” كدرس، لا كفيلم.

وإن نظر حوله، لا إلى فوقه.

وإن اختار رجاله من معدن الموقف، لا من ذهب السلطة.

فالتاريخ لا يرحم من لا يتعلّم من نهاية عفاش