11/05/2026

رهان الجنوب تعدى القيادات والمكونات إلى استعادة ثقة الناس.. ودور الفئة الصامته الحاسم..! 

 

> كتب/ المراقب السياسي للايام:

 

الفقر لا يلغي الوعي والمعاناة لا تعني الاستسلام والصمت لا يعني الرضا

الأغلبية الصامتة في الجنوب..الكتلة التي لا تصرخ لكنها قد تحسم المعادلة

المكونات الجنوبية تتناسل من رحم الخلافات وتتسابق إلى المنصات

القيادات استهلكت قضية الجنوب في الاجتماعات والبيانات والوعود

المكونات والأحزاب تتعامل مع الجنوب كساحة مفتوحة للتسويق

> في الجنوب اليوم ضجيج سياسي كثيف، حشود تُرفع فوق أكتافها شعارات التمثيل، ومكونات تتناسل من رحم الخلافات، وقيادات تتسابق إلى المنصات لالتقاط الصور وإصدار البيانات، وكأن السياسة صارت مجرد مشهد إعلامي قابل للتسويق والتمويل. غير أن ما يغيب عن كثيرين، أو يتغافلون عنه عمدًا، إن الحشود الشعبية مهما كبرت لا تمنح بالضرورة صاحبها الحق الحصري في تمثيل الجنوب، وأن الصوت المرتفع ليس دائمًا هو الصوت الأعمق، ولا اللافتة الأكبر بل هي بالضرورة عنوان الإرادة العامة.

لقد بات من السهل في المشهد الجنوبي أن يخرج طرف سياسي أو مكون ناشئ أو قيادة عابرة ليقول: نحن نمثل الناس، نحن الشارع، نحن القضية، نحن الجنوب. لكن السؤال الأهم هو: أين تقف الأغلبية الصامتة؟ تلك الكتلة الواسعة التي لا تظهر في الصفوف الأولى، ولا تتسابق إلى المنابر، ولا تملأ الشاشات، لكنها تراقب، وتقارن، وتختزن خيباتها، وقد تكون في اللحظة الحاسمة هي التي تقرر اتجاه البوصلة.

الأغلبية الصامتة في الجنوب ليست كتلة هامدة كما يظن البعض، وليست فئة بلا موقف أو بلا وعي. هي في حقيقتها ميزان سياسي واجتماعي مؤجل. صمتها ليس عجزًا، وابتعادها عن الصخب ليس استقالة من الشأن العام، بل هو في كثير من الأحيان موقف احتجاجي غير معلن على عبث النخب، وعلى هشاشة المكونات، وعلى عجز القيادات التي استهلكت قضية الجنوب في الاجتماعات والبيانات والوعود.

وهنا تكمن خطورة المرحلة. فالمكونات السياسية والأحزاب التي تتعامل مع الجنوب باعتباره ساحة مفتوحة للتسويق السياسي، لا تدرك أن الشارع الجنوبي تغيّر. لم يعد الناس يصدقون بسهولة كل من رفع شعارًا، أو أصدر بيانًا، أو عقد لقاءً في فندق، أو قاعة أو التقط صورة جماعية ثم غادر القاعة تاركًا خلفه وعودًا لا تعيش أكثر من ساعات. الناس باتت تسأل: ما المشروع؟ ما البرنامج؟ ما الضمانات؟ ماذا قدمت هذه القيادة لمحافظة واحدة، أو مديرية واحدة، أو لأسرة جنوبية واحدة تعيش في قلب المعاناة؟

المشكلة ليست في تعدد الآراء، ولا في وجود مكونات سياسية مختلفة؛ فالتعدد قد يكون علامة صحة إذا ارتبط بمشاريع واضحة ورؤى مسؤولة. المشكلة أن ما يحدث في الجنوب اليوم هو تفريخ سياسي بلا مضمون، واستنساخ للمكونات لا يضيف إلى القضية بقدر ما يفتتها. كثير من هذه الكيانات لا يبدو أنها وُلدت لتقديم حلول، بل لحجز مقاعد مسبقة في أي حوار جنوبي قادم، أو للحصول على اعتراف خارجي، أو استدرار دعم من ممول يبحث عن واجهة محلية.

بهذا المعنى، تصبح السياسة الجنوبية مهددة بأن تتحول من مشروع وطني إلى سوق مفتوح للأسماء والواجهات. وكلما ازداد عدد المكونات التي لا تحمل مشروع، زاد ارتباك المشهد، وتراجعت ثقة الناس، واتسعت المسافة بين الشارع الحقيقي والنخب التي تتحدث باسمه. ولعل أخطر ما في الأمر أن بعض هذه القيادات تعتقد أن مجرد إعلان مكون جديد يمنحها شرعية سياسية، بينما الشرعية في الجنوب لا تُمنح من الورق، ولا من الصور، ولا من البيانات، بل من المصداقية مع الناس، ومن القدرة على تقديم مشروع أو رؤية تخدم قضية الجنوب ويصون تضحياته.

الأغلبية الصامتة تدرك هذا كله. قد لا تصدر بيانات، لكنها تقرأ الواقع بوعي. ترى كيف تُدار بعض المكونات كدكاكين سياسية. ترى كيف يُختزل الجنوب في صراعات صغيرة ومصالح ضيقة. ترى كيف تتحول الاجتماعات إلى مناسبات لالتقاط الصور، وكيف تُنسى المخرجات فور خروج المشاركين من القاعة. وهذه الأغلبية، حين تصل إلى قناعة نهائية بأن النخب القائمة لم تعد قادرة على حمل المشروع الجنوبي، فإن قرارها لن يكون عابرًا.

ولذلك فإن احتكار التمثيل عبر الحشود لا يكفي. فالحشد قد يعبّر عن لحظة، لكنه لا يختصر شعبًا. والحشد قد تصنعه العاطفة أو التنظيم أو المال أو الغضب، لكنه لا يلغي وجود كتلة أوسع تراقب من خارج المشهد. هذه الكتلة هي التي يمكن أن تمنح أي مشروع سياسي عمقه الحقيقي والواقعي على الأرض، وهي أيضًا التي يمكن أن تسحب الغطاء الشعبي عن أي طرف يظن أن الشارع مجرد جمهور قابل للاستدعاء عند الحاجة.

في الجنوب اليوم أطراف كثيرة تتجاهل هذه الحقيقة. بعضها يظن أن المعادلة محسومة باللافتات والشعارات، وبعضها يظن أن الخارج يستطيع صناعة تمثيل سياسي بديل عن إرادة شعب الجنوب، وبعضها يراهن على الإرهاق العام، وكأن المواطن الجنوبي الذي أنهكته الحرب والخدمات المنهارة والمعيشة القاسية لن يكون معنيًا بالسياسة. لكن هذا تقدير خاطئ. فالفقر لا يلغي الوعي، والمعاناة لا تعني الاستسلام، والصمت لا يعني الرضا.

هناك، في عمق المجتمع الجنوبي، كتلة وطنية واسعة لا تثق كثيرًا بالخطابات المتكررة. هذه الكتلة لا تبحث عن زعيم جديد يضيف نفسه إلى قائمة الزعامات، بل عن مشروع واضح. لا تريد مكونًا آخر يزاحم المكونات القائمة، بل رؤية تضمن حق الجنوب في تقرير مصيره ومستقبله. لا تريد حوارًا شكليًّا تُكتب نتائجه مسبقًا، بل حوارًا جنوبيًّا حقيقيًّا يعيد ترتيب البيت الداخلي على قاعدة الاحترام والتوازن والتنازل لبعضه البعض والاعتراف بالتضحيات.

ومن هنا، فإن أي حوار جنوبي - جنوبي قادم، وقد كنا من أوائل الداعمين والمباركين له، لن ينجح إذا جرى التعامل معه كترتيب بروتوكولي أو محطة لتوزيع المقاعد. الحوار الحقيقي لا يبدأ من الخارج، ولا يكتمل في العواصم البعيدة، ولا ينجح إذا حُشر الجنوبيون في صيغ جاهزة. يجب أن يكون الحوار على أرض الجنوب، وبين الجنوبيين، وبأجندة جنوبية واضحة، وبعيدًا عن منطق الاستقواء بالخارج أو استنساخ صراعات الماضي.

وفي هذا السياق تبرز محافظة شبوة كخيار جدير بالقراءة الجادة. فشبوة، بحكم موقعها وتاريخها الاجتماعي والسياسي، تمتلك ميزة مهمة: لم تكن في مركز النزاعات الجنوبية الكبرى خلال العقود الماضية بالدرجة التي جعلت غيرها مثقلًا بحساسيات دامية وموروثات صراع قاسية. وهي محافظة قادرة، إذا توفرت الإرادة والضمانات، على أن تكون أرضية مناسبة لحوار جنوبي متوازن يقف على مسافة واحدة من الجميع.

اختيار شبوة ليس مجرد مسألة جغرافية، بل رسالة سياسية. معناها أن الحوار لا ينبغي أن يكون أسيرًا لعواصم الاستقطاب، ولا لرمزية المدن التي ارتبطت في ذاكرة الجنوبيين بصراعات ومواجهات. شبوة يمكن أن تمثل مساحة وسطى، لا تلغي أحدًا ولا تمنح أحدًا امتيازًا مسبقًا. وفي لحظة يحتاج فيها الجنوب إلى ترميم ثقته الداخلية، تصبح رمزية المكان جزءًا من نجاح الحوار أو فشله.

إن كثرة الكيانات التي تدعي التمثيل بعد إعلان نباء قيام الحوار الجنوبي الجنوبي في فبراير الماضي أدت إلى نتيجة واحده فقط وهي أفشال الحوار حتي قبل انعقاده، فالمفتت لن يستطيع إقناع أبناء الشعب بأي مخرجات لحوار يقوده مجموعة واسعة من تجار المصالح.

والحوار وحده لا يكفي إذا لم يكن قائمًا على وضوح الهدف. والهدف الجنوبي، كما تعبّر عنه قطاعات واسعة من الشعب، ليس الدخول في تسويات تُفرض من الخارج، ولا القبول بمخرجات لا تراعي الإرادة الجنوبية، بل الوصول إلى صيغة تضمن حق الجنوب في استعادة هويته السياسية وتقرير مستقبله. وأي طرف خارجي يتصور أن بإمكانه فرض اتفاق سياسي على الجنوبيين بمعزل عن هذا الهدف سيكتشف أن الاتفاقات التي لا تستند إلى قبول شعبي تتحول إلى أوراق بلا أثر.

وفي هذا الإطار، ينبغي التمييز بين الأولويات. الحوار الذي تجريه المملكة العربية السعودية مع الحوثيين، وسعيها إلى اتفاق يؤمّن حدودها وأمنها القومي، هو حق مشروع لها، بل أولوية سعودية مفهومة في سياق مصالح الدولة وأمنها. لكن هذه الأولوية ليست بالضرورة أولوية جنوبية. ما يهم الجنوب هو ألا يتحول أي تفاهم إقليمي أو دولي إلى صيغة لا يريدها تفرض عليه مستقبلًا، أو تعيد إنتاج معادلات سياسية تجاوزها الشارع بتضحياته.

إن الجنوب ليس هامشًا في تسوية تخص الآخرين. وليس مجرد ملف أمني أو جغرافي في حسابات الإقليم. الجنوب قضية سياسية ووطنية بامتياز لها جذورها وتضحياتها وأهدافها. ومن لا يرى الأغلبية الصامتة في الجنوب اليوم، قد يفاجأ بها غدًا وهي تحسم موقفها بطريقة لا تستطيع المكونات الهشة ولا القيادات العابرة احتواءها.

ولهذا فإن التحذير واجب: لا تستخفوا بالصامتين. لا تقيسوا الجنوب بعدد البيانات ولا بحجم الصور ولا بكثافة الحشود المنظمة. الكتلة الصامتة قد تبدو بعيدة عن المشهد، لكنها أقرب إلى الحقيقة من كثير من الذين يملؤون الضجيج. هي تعرف من يتاجر، ومن يناور، ومن يبحث عن الجنوب، ومن يبحث عن نفسه باسم الجنوب.

إن الرهان الحقيقي في الجنوب ليس على تفريخ المكونات، ولا على صراع اللافتات، ولا على صناعة زعامات ورقية. الرهان الحقيقي هو على استعادة ثقة الناس. ومن أراد أن يكسب الأغلبية الصامتة فعليه أن يقدم مشروعًا، لا شعارًا؛ وأن يخاطب عقول الناس، لا غرائزهم؛ وأن يحترم تضحيات الجنوب، لا أن يحولها إلى رصيد شخصي أو بطاقة عبور إلى طاولات التفاوض.

 

في نهاية المطاف، قد تكون الأغلبية الصامتة هي الحزب الأكبر في الجنوب، رغم أنها لا تحمل اسمًا ولا شعارًا ولا مقرًا. هي القوة التي لم تقل كلمتها بعد. وحين تقولها، لن يكون بمقدور أحد تجاهلها. أما الذين يظنون أن المشهد الجنوبي يُدار فقط بما يظهر على السطح، فهم لا يرون سوى نصف الحقيقة. النصف الآخر موجود في الصمت، وفي البيوت، وفي الذاكرة، وفي وجع الناس، وفي انتظار طويل قد ينتهي بقرار يغيّر كل المعادلات.

ولن يعم الاستقرار الجزيرة العربية بدون سلام قائم على مصالح المواطنين في الجنوب ومالا يحسب له السياسيون اليوم حساب هو أن تلك المصالح قد تلتقي في المستقبل القريب بين الجنوب والشمال.

للمزيد من الاخبار على : 

https://algnoobpress.com/Home/Index/0?fbcli

#الجنوب_برس#عيون_جنوبية

او صفحتنا في الفيسبوك على الرابط:

https://www.facebook.com/share/g/1Dkv1pBc9

او على الوتساب:

https://chat.whatsapp.com/EGSQlSuoJNSH6t5xxtPpvN?mode=gi_

متابعة صفحتنا على (X) تويتر:

https://x.com/Algnoobpress  t 5 #d