02/02/2026

الليلة الشعبانية.. هل هي الليلة. ليلة النِّصف من شعبان وهل لها ميزةً خاصّةً وعباداتٍ وطقوس منفردةً.؟! 

 

إعداد القاضي أنيس جمعان 

 

يعتقد كثيرٌ من المسلمين أنَّ لشهر شعبان ميزةً خاصّةً وعباداتٍ منفردةً عن باقي الشهور، فيقومون ليله ويصومون نهاره؛ وذلك تقرُّباً للَّه سبحانه وتعالى، وإدراكاً لفضل العبادة في هذا الشّهر حسبَ الاعتقاد السّائد لديهم، وقد جرى جدلٌ كبيرٌ بين الناس عموماً في مسألة أفضليّة شهر شعبان وتخصيصه بالصّيام أو القيام، فما مدى صِحّة ما يُنقَل عن أفضليّة صيام شعبان أو قيامه عموماً، وهل لليلة النّصف من شهر شعبان مزيّةٌ خاصّةٌ في القيام أو الاحتفال أو غيرها؟ ذلك ما ستبحثه هذه المقالة.

 فضل ليلة النّصف من شعبان :

➖➖➖➖

ترِد وتنتشر أحاديث ومرويّات كثيرة عن ليلة النِّصف من شعبان، وما خُصَّت به من فضل وما لها مِن ميزةٍ، وكثيرٌ من هذه الرّوايات حول الإكثار من القُرُبات في هذه الليلة تحديداً، والمُتتبِّع لهذه الرّويات من عُلماء الحديث يجدها أحاديث ضعيفةً لم تصحَّ عن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهي مكذوبة عليه.

لم يثبت أي دليلٍ فيما يخصّ فضل ليلة النصف من شعبان، والوارد فيما يخصّها آثار مقطوعةٌ عن بعض التابعين وأحاديث موضوعةٌ وضعيفةٌ جداً، ولا يصحّ القول بأنّ كتابة الآجال والأعمار تكون في ليلة النصف من شعبان، وبناءً على ذلك فلا يصحّ إحياؤها أو صيام يومها أو تخصيصها بعبادةٍ ما، ولا حرج أو بأس من إحيائها كغيرها من الليالي دون الزيادة أو الاجتهاد أو التخصيص، كما لا حرج بصيام اليوم الخامس عشر من شعبان مع يومي الثالث عشر والرابع عشر بنية صيام الأيام البيض، أو بنية صيام الاثنين أو الخميس إن صادفهما، دون الاعتقاد بالزيادة في الأجر والفضل.

وقد تعدَّدت مضامين الأحاديث المُتعلِّقة بليلة النِّصف من شعبان، ومن الأمثلة عليها، أحاديث في فضل إحياء ليلة النِّصف من شعبان، وقد وردت فيها رواياتٌ متعدِّدة، وكلُّها لا تصحّ، ومنها ما رواه كردوس بن عمرو، حيث قال: (من أحيا ليلتَيِ العيدِ وليلةَ النِّصفِ من شعبانَ، لم يَمُت قلبُهُ يومَ تموتُ فيهِ القلوبُ).[رواه ابن الجوزيّ].

حكم صيام النِّصف الثاني من شعبان :

➖➖➖➖

ورد النهي عن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عن البدء في صيام شعبان من منتصفه، وكذلك لا يجوز صيام آخر الشهر من بابٍ أولى، ويخرج من النهي من كانت عادته صيام يومي الاثنين والخميس، أو صيام يومٍ وإفطار يومٍ، ولا حرج من البدء بالصيام من الثالث عشر أو الرابع عشر أو الخامس عشر من الشهر؛ فبذلك يتحقّق أكثر من نصف الشهر، أي أنّه لا حرج أيضاً من صيام كلّ الشهر أو أكثره.

وقد وردت بعض الأحاديث في فضل تلك الليلة تُثبِت أنّ لها فضلاً عن سائر الليالي، بل إنَّ بعض العلماء جعلوا لليلة النّصف من شعبان أفضليَّةً عاليةً، فقال بعضهم: إنّ قول اللَّهَ تعالى: (إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ ۞ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ).[الدّخان: 3-4]، كان يُقصَد به ليلة النّصف من شعبان، لا ليلة القدر، ففي ليلة النّصف من شعبان يُقدِّر اللَّهَ سبحانه وتعالى جميع ما سيحصل للعباد في السّنة اللاحقة من أرزاق أو مصائب، ثمّ يُقدّم اللَّهَ ما يشاء، ويؤخّر ما يشاء بأمره عزَّ وجلّ.

أحاديث في فضل صيام النّصف من شعبان :

➖➖➖➖

أحاديث في فضل صيام النّصف من شعبان، ومنه ما رُوِي عن عليّ بن أبي طالب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (إذا كان ليلةُ نِصفِ شعبانَ، فقوموا ليلَها، وصوموا نهارَها، فإنَّ اللَّهَ تعالى ينزلُ فيها لغروبِ الشَّمسِ إلى سماءِ الدُّنيا، فيقولُ: ألا مستغفِرٌ لي فأغفرَ لهُ؟ ألا مسترزِقٌ فأرزقَهُ؟ ألا مبتلًى فأعافيَهُ؟ ألا كذا؟ ألا كذا؟ حتَّى يطلُعَ الفجرُ).[رواه ابن رجب] وكلُّ الأحاديث الواردة في صيام النّصف من شعبان قد ضعَّفها علماء الحديث.

أحاديث واردةٌ في عدم ردِّ الدّعاء في ليلة النِّصف من شعبان واستجابته، وهي أحاديث لا تصحّ كذلك، ومنها ما رُوِي عن أبي أُمامة الباهليّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (خمسُ ليالٍ لا تُرَدُّ فيهنَّ الدّعوةُ: أوّلُ ليلةٍ من رجب، وليلةُ النِّصفِ من شعبانَ، وليلةُ الجمعةِ، وليلةُ الفطرِ، وليلةُ النَّحرِ).[رواه الألباني].

أحاديث واردة في أنَّ ليلة النِّصف من شعبان هي ليلة يعتق اللَّه تعالى فيها من النَّار كثيراً من النَّاس، ولم يُصحّح علماء الحديث هذه الأحاديث، ومن هذه الرّوايات ما رُوِي عن أمِّ المؤمنين عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُا: (إذا كان ليلةُ النصفِ من شعبانَ، يغفرُ اللهُ منَ الذّنوبِ أكثرَ منْ عددِ شعرِ غنمِ كَلْبٍ).[رواه الألباني].

فحاصل الأحاديث الواردة في ليلة النِّصف من شعبان وفضلها ضعيفةٌ، ولم يُصحِّح علماء الحديث الأقدمون والمعاصرون منها أيّ روايةٍ إلا روايةً واحدةً، اختلف علماء الحديث فيها بين مُضعِّفٍ ومُصحِّحٍ، وهي رواية أنَّ اللَّهَ تعالى في هذه الليلة يغفر لكلّ النَّاس إلا الكافر والمُشاحِن، وقد وردت هذه الرّواية عن عددٍ من الصّحابة، منهم: معاذ بن جبل رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حيث قال: (يطَّلِعُ اللهُ إلى جميعِ خلقِه ليلةَ النِّصفِ من شعبانَ، فيَغفِرُ لجميع خلْقِه إلا لمشركٍ، أو مُشاحِنٍ)،[رواه الألباني] والمشاحن هو المُبغِض والمُعادي.

الأحاديث التي يُؤخَذ بها في فضل ليلة النّصف من شعبان :

➖➖➖➖

(١) ما رُوِي عن معاذ بن جبل رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (يطَّلِعُ اللهُ إلى جميعِ خلقِه ليلةَ النِّصفِ من شعبانَ، فيَغفِرُ لجميع خلْقِه إلا لمشركٍ، أو مُشاحِنٍ).[رواه ابن ماجة 1390، وابن أبي عاصم، واللالكائي]، والمشاحن هو الذي بينه وبين أخيه عداوة.

(٢) ما رُوِي عن عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُا قالت: (قام رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من اللَّيلِ يُصلِّي، فأطال السُّجودَ حتَّى ظننتُ أنَّه قد قُبِض، فلمَّا رأيتُ ذلك قُمتُ حتَّى حرَّكتُ إبهامَه فتحرَّك فرجعتُ، فلمَّا رفع إليَّ رأسَه من السُّجودِ وفرغ من صلاتِه، قال: يا عائشةُ -أو يا حُميراءُ- أظننتِ أنَّ النَّبيَّ قد خاس بك؟ قلتُ: لا واللهِ، يا رسولَ اللهِ، ولكنَّني ظننتُ أنَّك قُبِضْتَ لطولِ سجودِك، فقال: أتدرين أيُّ ليلةٍ هذه؟ قلتُ: اللهُ ورسولُه أعلمُ، قال: هذه ليلةُ النِّصفِ من شعبانَ، إنَّ اللهَ -عزَّ وجلَّ- يطَّلِعُ على عبادِه في ليلةِ النِّصفِ من شعبانَ، فيغفِرُ للمُستغفِرين، ويرحمُ المُسترحِمين، ويؤخِّرُ أهلَ الحقدِ كما هُم).[رواه البيهقي].

الأحاديث التي لا تصحُّ في فضل قيام ليلة النِّصف من شعبان :

➖➖➖➖

ورد عن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ العديد من الأحاديث في فضل قيام ليلة النّصف من شعبان وصيامها، إلا أنَّ معظم هذه الأحاديث مشكوكٌ في نسبتها للنبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولهذا فإنّ العمل بها غير جائزٍ؛ لأنّها أحاديث ضعيفة لا يُحتَجُّ بها، إلا أنَّ ذلك لا يعني حُرمَة قيام تلك الليلة لعدم ثبوت نصٍّ فيها، ومثل هذه الأحاديث لا يصحّ الأخذ بها ولا العمل بها، ولا الاحتجاج والاستناد عليها بأفضليّة ليلة النّصف من شعبان، ومنها:

(١) ما رواه كردوس بن عمرو، قال: (مَن أحيا ليلتَيِ العيدِ وليلةَ النِّصفِ من شعبانَ، لم يَمُت قلبُهُ يومَ تموتُ فيهِ القلوبُ).[رواه ابن الجوزي].

(٢) ما رُوِي عن عليٍّ بن أبي طالب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: (إذا كان ليلةُ نِصفِ شعبانَ، فقوموا ليلَها وصوموا نهارَها، فإنَّ اللَّهَ تعالى ينزلُ فيها لغروبِ الشَّمسِ إلى سماءِ الدُّنيا، فيقولُ: ألا مستغفِرٌ لي فأغفرَ لهُ، ألا مسترزِقٌ فأرزقَهُ، ألا مبتلىً فأعافيَهُ، ألا كذا، ألا كذا؟ حتَّى يطلُعَ الفجرُ).[رواه ابن رجب].

(٣) ما رُوِي عن أبي أمامة الباهليّ، قال: (خمسُ ليالٍ لا تُرَدُّ فيهُنَّ الدّعوةُ : أوّلُ ليلةٍ من رجبٍ، وليلةُ النِّصفِ من شعبانَ، وليلةُ الجمعةِ، وليلةُ الفطرِ، وليلةُ النَّحرِ).[رواه الألباني].

(٤) ما رُوِي عن عائشة أمّ المؤمنين رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُا قالت: (إذا كان ليلةُ النصفِ من شعبانَ، يغفرُ اللهُ منَ الذنوبِ أكثرَ منْ عددِ شعرِ غنمِ كَلْبٍ).[رواه الألباني].

حُكْم قيام ليلة النّصف من شعبان :

➖➖➖➖

تباينت أقوال العلماء في حكم قيام ليلة النّصف من شعبان وصيامها، ويُعزى هذا التّباين إلى اختلافهم في فهم النّصوص الواردة بخصوصها ودرجة الأخذ بها، وفيما يأتي بيان أقوال العلماء في صيام ليلة النّصف من شعبان وقيامها.

(١) استحبّ جمهور الفقهاء قيام ليلة النّصف من شعبان؛ لما فيها من تعرُّض المؤمن لرحمة اللَّهَ سبحانه وتعالى ومغفرته، وقد نُقِل عن الإمام ابن تيمية أنّ جماعاتٍ من السلف كانوا يقومون هذه الليلة.

(٢) كرِه علماء المالكيّة والحنفيّة الاجتماع لقيام ليلة النّصف من شعبان في المسجد أو غيره، واعتبروا ذلك من البِدَع التي لم تأتِ بها الشّريعة؛ لما فيه من إحداث بعض المسلمين صلاةً مخصوصةً فيها تُسمّى صلاة الرّغائب، وإلى هذا القول ذهب الإمام الأوزاعيّ، وعطاء بن أبي رباح، وابن أبي مليكة، يقول الإمام النوويّ في ذلك: (الصّلاة المعروفة بصلاة الرّغائب، وهي ثنتا عشرة ركعةً، تُصلّى بين المغرب والعشاء ليلة أوّل جمعة في رجب، وصلاة ليلة نصف شعبان مائة ركعة، وهاتان الصّلاتان بدعتان ومُنكَران قبيحان، ولا يُغتَرّ بذكرهما في كتاب قوت القلوب، وإحياء علوم الدّين، ولا بالحديث المذكور فيهما، فإنّ كلّ ذلك باطل).

بدعٌ في شهر شعبان 

➖➖➖➖

وردت بعض الأعمال التي لا تصحّ في شهر شعبان؛ منها: أداء عدد ركعاتٍ معينٍ ليلة النصف من شعبان، وصلاة البراءة؛ وهي التي تؤدى مئة ركعةٍ في ليلة النصف أيضاً، وصلاة ست ركعاتٍ اعتقاداً بدفع البلاء والكرب ونيل العمر الطويل، وقراءة سورة يس، والدعاء بدعاءٍ مخصوصٍ، ومن البدع المحدثة أيضاً الاعتقاد بأنّ ليلة النصف من شعبان ليلة القدر، وصنع الطعام وتوزيعه على الفقراء والمحتاجين، وهو ما يطلق عليه عشيات الوالدين.

والحاصل في ذلك أنَّ مجرَّد القيام في هذه الليلة جائزٌ لا بأس به، مع الذّكر المُباح والصلاة المعلومة كيفيّتها للناس جميعهم، أمّا الاجتماع لقيام هذه الليلة وتخصيصها بصلاةٍ منفردةٍ في عدد الرّكعات، والهيئة، والأذكار المحتوية عليها فذلك غير جائزٍ؛ لعدم صحّته أو وروده عن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولأنّ الأصل في العبادات الحَظر؛ أي المَنع.