21/11/2025

الشيخ الشهيد ناشر عبد الله السقلدي أحد أبرز رموز المقاومة الوطنية في جنوب اليمن 

 

كتب: خالد الحكم

في زمنٍ اختلط فيه وهج التحرر بصخب الاحتلال، بزغ نجم الشيخ الشهيد ناشر عبد الله السقلدي كأحد أبرز رموز المقاومة الوطنية في جنوب اليمن. جمع بين التنمية المحلية والموقف القومي الصلب، فأرّق الاستعمار البريطاني حتى رحيله برصاص الغدر في كريتر عام 1965م. ورغم حملات التشويه التي لاحقته بعد استشهاده من عناصر الثورة المضادة بقايا الاستعمار وضباط مخابراته، ظل إرثه شاهدًا على أن الأحرار لا يُشترون بالمال ولا يسقطون بالتخوين. .

النشأة والبدايات الأولى

وُلد الشيخ الشهيد ناشر عبد الله السقلدي عام 1931م في منطقة الشعيب بمحافظة الضالع. نشأ في بيت علم ودين، حيث تعلم القرآن الكريم ومبادئ الفقه على يد والده الشيخ عبد الله السقلدي، الذي غرس فيه قيم الكرامة والشجاعة والصدق. تلك التربية الروحية شكّلت أساس شخصيته القيادية، ومهّدت لطريقه نحو العمل الوطني والقومي.

 

قبيلة السقلدي ودورها في المقاومة

قبيلة السقلدي، ذات الانتشار الواسع في مناطق الضالع وردفان وصولًا إلى يافع، والتي تعود جذورها إلى كلد يافع، كانت من أشرس القبائل التي خاضت معارك عنيفة ضد الاحتلال البريطاني.

دفعت هذه المعارك المتواصلة منذ سيطرة الانجليز على الجنوب في ١٩٣٨ مما دفع الاحتلال الى  الاعتراف  بقبيلة السقلدي مشيخة مستقلة تحمي نفسها وتطبق قوانينها الخاصة، مع تنسيق محدود في مسائل الحدود الشمالية والجنوبية.

وقد دعم الإنجليز جيش المشيخة بالسلاح لتأمين الحدود مع الشمال والتصدي لقوات الإمام المدعوم من العثمانيين، إلا أن هذا الدعم كان يُنقل بتوجيه مباشر من الشيخ الشهيد ناشر عبد الله السقلدي إلى الثوار في الضالع وردفان وغيرها من المناطق التي عمل بها طوال مشواره النضالي.

 

من التنمية إلى خط النار

عُرف الشيخ السقلدي منذ شبابه كـشيخ بناء وتنمية في مجتمعه المحلي.

أدخل مضخات المياه الحديثة بدل الجمال والثيران، وشق الطرق الزراعية، وبنى مدارس ومساجد ووحدات صحية في الشعيب بالضالع.

امتدت علاقاته الاجتماعية والقبلية إلى أبين وشبوة  و الصبيحة  وردفان ويافع، مما جعله حلقة وصل طبيعية بين القبائل وداعمًا لمشروع المقاومة منذ بدايته.

 

شيخ السلاح والمقاومة 

انحاز الشيخ السقلدي إلى المقاومة المسلحة ضد الاحتلال البريطاني وقام بتوزيع السلاح على الثوار في الضالع والشعيب بسخاء، حتى على الفتيان، مرددًا عبارته الشهيرة:

"فوق راسي أنتم رجال". 

كما وقف إلى جانب ثوار شمال اليمن ضد حكم الإمامة؛ و زار معسكرات الثوار في تعز للتنسيق مع الجانب المصري في فترة عمله في مناطق الصبيحة  ، وعمل الشهيد السقلدي على حماية الثوار  الفارين من مطاردات قوات الإمام في وادي بناء وصولًا إلى مناطق آمنة بالشعيب.

حمل  الشيخ الشهيد ناشر عبدالله السقلدي الافكار الناصرية القومية و العربية متأثرا  بالزعيم الراحل جمال عبد الناصر والقائد عبد الحكيم عامر، حتى سمّى اثنين من أبنائه ناصر وحكيم تخليدًا للمشروع القومي العربي.

 

خطاب التحدي أمام المندوب السامي البريطاني 

في واحدة من أشجع لحظاته السياسية، وقف الشيخ ناشر عبد الله السقلدي في اجتماع المجلس الأعلى لاتحاد الجنوب العربي بحضور المندوب السامي البريطاني، وصعد على المنصة مخاطبًا الجميع:

"لقد عبّر شعبنا بشكل واضح وصريح عن رفضه لبقاء القوات البريطانية. وها هي النقابات العمالية تقود المسيرات، كما حمل الشعب السلاح بعد الممارسات القمعية والقتل المستمر. يجب على القوات البريطانية احترام هذه الإرادة والرحيل من عدن."

كان ذلك الموقف تجسيدًا لشجاعته وجرأته السياسية، ورسالة صريحة للاحتلال بأنه لن يجد في الجنوب إلا الرفض والمقاومة ويعتقد أن هذا الخطاب دفع الانجليز الى أغتياله عبر عملائها المحليين.

رصاص الغدر في كريتر

في 8 يوليو 1965م، كان السقلدي يستعد لمغادرة عدن متوجهًا إلى القاهرة للانضمام رسميًا إلى حركة القوميين العرب بعد طلب مباشر من الزعيم جمال عبد الناصر لكن أيادي الغدر سبقته في مديرية كريتر بعدن، حيث اغتيل في عملية تصفية بريطانية عبر أدوات الثورة المضادة ، رحل الشيخ الشهيد ناشر عبدالله السقلدي فى ريعان شبابه  عن عمر 34 عامًا، تاركًا خلفه عدد  من الابناء من زوجاته الاثنتين و هم المرحوم البروفيسور فريد ، و المهندس حكيم و الاستاذ عبدالناصر و أبنته الوحيدة مهيلة الذي توفت في السبعينات في لندن كما خلف أيضا سيرة عطرة وحب الناس و إرثًا خالدًا من النضال القومي والمقاومة الوطنية.

اعتراف بريطاني بحجم الألم  

لاحقت بريطانيا الشهيد حتى بعد رحيله، عبر حملات تخوين وتشويه قادها بعض عناصرالثورة المضادة  ،لكن الموقف البريطاني ذاته كان اعترافًا صريحًا بحجم الألم الذي سببه لهم الشيخ الشهيد ناشر السقلدي  وهو ما دفع لندن الى رفض  منح أفراد أسرته كما فعلت مع غيره من أسر المشايخ ذلك الرفض كان بمثابة شهادة تاريخية بأنه كان خصمًا أربك الاحتلال وأوجع وجوده في الجنوب.

إرث خالد ووفاء مستمر

أعيد إحياء ذكرى الشيخ السقلدي بمبادرات وفاء، منها مزاد بندقيته في 2024، حيث خُصص ريعه لشق ورصف طريق العوابل – بخال – وادي بناء ، اليوم يظل اسمه رمزًا للمقاومة والعروبة، وفارسًا خالدًا في ذاكرة التاريخ السياسي اليمني و العربي .