11/07/2025

إسماعيل شمّوط.. اللوحة سلاحًا ومختبرًا لأسئلة اللجوء الكبرى زنتاجًا فطريًا ومباشرًا لذلك الزلزال المدمّر

 

كتب: زياد بركات

اخبار وتقارير الجنوب برس  

 

لم ترتبط نكبة فلسطين عام 1948 بتشكيلي فلسطيني أو عربي كما ارتبطت بالفنان إسماعيل شمّوط (1930-2006)، إذ غدا صائغها البصري ومُنتج رموزها الكبرى، لا سيّما في لوحاته المبكرة التي كانت نتاجًا فطريًا ومباشرًا لذلك الزلزال المدمّر الذي شرّد الفلسطينيين في أصقاع الأرض.

وُلد شمّوط في مدينة اللد (نحو 38 كم شمالي غرب القدس، و16 كم جنوبي شرق يافا) عام 1930، لعائلة فقيرة الحال وكبيرة العدد، تتكوّن من ثمانية أبناء إلى جانب الأم والأب الذي كان بائعًا للخضروات والفواكه.

أُجبرت عائلته، مثل مئات العائلات الفلسطينية، على النزوح بعد الاحتلال الإسرائيلي، ووجد شمّوط، الذي كان فتى آنذاك، نفسه على درب النزوح من اللد إلى أقرب بلدة فلسطينية لم تقع تحت الاحتلال.

وبعد نحو خمس عشرة ساعة من المشي، وصلت العائلة إلى قرية نعلين قرب مدينة رام الله، بعدما فقدوا أحد أشقائه، توفيق، الذي كان يبلغ من العمر عامين، وتوفي عطشًا خلال النزوح، ما ترك جرحًا لم يلتئم في ذاكرة شمّوط، وجد تمثلاته الأولى في واحدة من لوحاته المبكرة المعنونة بـ"جرعة ماء".

ويروي شمّوط قصة لوحته هذه قائلًا إنه تطوّع لإحضار الماء لأهله بعد خروجهم من اللد، بعدما اشتد العطش بالناس، لكن قوات الاحتلال منعته من ذلك:

وصلنا إلى بيارة لآل حسونة، وجدت في البيارة إبريقًا وفتحت صنبور الماء فتدفقت المياه، فإذا بعشرات العطشى يتدفقون. داهمنا جيب عسكري بصورة غير متوقعة، ترجّل منه جندي أو ضابط وأشهر مسدسًا، وكنت قد ملأت الإبريق ولم أشرب لأني حملته كي تشرب أمي وإخوتي الصغار، فقال لي كلامًا لم أفهمه ولكن فهمت من حركة يده أن أسكب الماء على الأرض، قلت له ماذا؟ فكرر أمره الصارم وهو يشهر مسدسًا، أن أسكب الماء، ولم يكن أمامي خيار آخر.

يروي شمّوط كيف تمكّن بصعوبة من تأمين الماء لوالدته وسط تدافع العطشى، ما يعكس قسوة اللجوء الفلسطيني الأول وتداعياته المدمّرة.

وانعكست تلك التجربة المريرة في أعمال شمّوط الأولى، وظلت تطلّ برأسها، وإن برمزية في لوحاته اللاحقة. ففي معرضه الأول الذي أقامه في إحدى مدارس خانيونس الحكومية عام 1953، حضرت مأساته الشخصية في لوحات المعرض، ومنها لوحتا "إلى أين؟" و"جرعة ماء"، إلى جانب لوحات أخرى رسمها في تلك المرحلة التي اتسمت فيها أعماله بالواقعية التعبيرية، مثل: "سنعود" و"أين أبي".

ما بين "إلى أين" و"سنعود"

في لوحته الشهيرة "إلى أين؟" يظهر رجل اختلط في ملامح وجهه التعب بالعزيمة، وسط أرض قاحلة، يحمل أحد أبنائه على كتفه، بينما يلتصق به آخر، وثالث ينظر إليه بتساؤل. في الخلفية شجرة جرداء وسماء ملبدة بالغيوم.

كانت اللوحة جزءًا من أعمال تناول فيها شمّوط رحلة نزوحه وعائلته من مدينته إلى مخيمات اللجوء.

وفي أخرى بعنوان "سنعود" نعثر على الثيمة نفسها والرموز ذاتها: عجوز يحمل عكازه وحوله أحفاده، أحدهم ينظر إليه بالتساؤل ذاته في لوحة "إلى أين؟"، وخلفه امرأة شابة تحمل أحد أبنائها على كتفيها.

اللافت أن نظرات العجوز والمرأة تتجه بعكس طريقهما، كما لو أنهما يلتفتان إلى الديار التي هُجّرا منها، بينما تتجه عيون الأطفال إلى المجهول.

وفي كلتا اللوحتين يظهر رأسا الرجل والعجوز مرفوعين رغم ثقل النكبة والنزوح، في إشارة رمزية حرص شمّوط على تضمينها، ليقدّم من خلالها رسالة تحريضية مباشرة، تستثمر أدوات الفن للتعبير عن فكرة تتجاوز البُعد الجمالي.

وفي قراءته لأعمال شمّوط، التي رأى أن الزمن فيها توقف يوم الرحيل، كما أن المكان تحجّر في صورة ذهنية بكاها شعراء المرحلة، يرصُد الناقد والفنان التشكيلي الفلسطيني كمال بلّاطة ما اعتبره تأسيسيًا في أعمال شمّوط: إنتاج ثيمات شبه متكررة تدور كلها حول الاقتلاع والنزوح، وتمنح اللوحة وظيفة تذكيرية بأن ثمة وطنًا سليبًا يجب استعادته:

مهما مضى من زمان، ومهما تحوّل مكان إقامة الفنان، فإن شمّوط لم يكن يعنيه ما يحيط به من مرئيات إلا بقدر ما أوحى له ذلك من متابعة تسخير موهبته الفنية لرسم لوحات زيتية، كان هدفها حثّ المشاهد للتعاطف مع قضية الشعب المقتلع وتأييد النضال من أجل عودته إلى أرضه.

تعود ثيمات شمّوط الكبرى إلى يفاعته الأولى واقتلاعه من مدينته، وتعلّمه الرسم على يد أحد روّاد التشكيل الفلسطيني الأوائل، داود زلاطيمو، الذي يُعد، إلى جانب نقولا الصايغ وتوفيق جوهرية وآخرين، من المؤسّسين الأوائل لمسار تشكيلي فلسطيني بدأ بالانفصال عن طبيعته الوظيفية (رسم الأيقونات والمناظر للسيّاح)، لصالح أدوار جمالية وتعبيرية أوسع.

ريادة التشكيل الفلسطيني

تتلمذ شمّوط على يد زلاطيمو، أستاذ الرسم في مدرسة اللد الابتدائية التي التحق بها الطفل إسماعيل عام 1936، حيث تعلّم تقنيات الرسم بالرصاص والحبر الصيني والألوان المائية.

عُني شموط بانتاج رموز فلسطينية في لوحاته حفاظا على هوية شعبه-فيسبوك

عُني شموط بانتاج رموز فلسطينية في لوحاته حفاظا على هوية شعبه-فيسبوك

كانت تلك بدايته لإقناع والده المتديّن بأن الرسم يمكن أن يكون مهنة تدرّ دخلًا، فافتتح متجرًا صغيرًا في المدينة يزيّن فيه فساتين العرائس، قبل أن يتحوّل إلى رسم اللوحات الزيتية للطبيعة والبورتريهات الشخصية وبيعها.

ولم تنجح النكبة، رغم قسوتها، في كبح هوسه بالرسم، فبعد نحو عام من استقرار عائلته في خانيونس، حيث عمل بائعًا للكعك، تطوّع لتدريس الرسم في مدارس اللاجئين الفلسطينيين.

في عام 1950، عرض بعض أعماله في مدرسة خانيونس الحكومية، ثم غادر إلى القاهرة، حيث التحق بالقسم الحر في كلية الفنون الجميلة. عمل هناك في أحد ستوديوهات الإعلانات رسّامًا لملصقات الأفلام، وكان من بين أساتذته أحمد صبري، حسين بيكار، وحسني البناني.

عبد الناصر يفتتح معرض شمّوط

أقام أول معرض له، ويُعتقد أنه أول معرض لفنان فلسطيني على أرض فلسطين، عام 1953 في نادي الموظفين في غزة، وضمّ المعرض 60 لوحة من بينها "إلى أين؟" و"جرعة ماء".

وفي العام التالي (1954)، شارك في معرض "اللاجئ الفلسطيني" في القاهرة، الذي افتتحه الرئيس جمال عبد الناصر. شاركته في المعرض طالبة الفنون تمام الأكحل، التي تزوجها عام 1959، والفنان نهاد سباسي.

في العام نفسه، حصل على منحة للدراسة في أكاديمية الفنون الجميلة في روما بين عامي 1954 و1956.

وفي استذكار تلك المرحلة، كتب شمّوط عام 1973 في مجلة "فلسطين الثورة" التي كانت تصدرها منظمة التحرير الفلسطينية، أن الفن بعد النكبة، في عقد الخمسينيات على الأقل، لم يكن جماليًا بقدر ما كان تعبيرًا عن المأساة:

القضية كانت بالنسبة له (الفنان الفلسطيني) غير مفلسفة، وجاءت أعماله نتيجة لذلك كله غير مفلسفة في الخمسينات. لم يكن همًا للفنان الفلسطيني أن يرسم بأسلوب مستورد أو اتباع مذهب أو مدرسة فنية معينة. لم يكن همه اللون والتكوين، الشكل والمضمون. همه كان أن يصرخ. نعم كان همه أن يصرخ وبأعلى صوته معلناً عن وقوع مأساة رهيبة في وطنه وضد شعبه. 

انتقل بعد تخرجه من روما إلى بيروت، حيث عاش بين عامي 1956 و1964. عمل في قسم الإعلام في وكالة "أونروا"، وأنشأ مع شقيقه جميل مكتبًا للإعلانات وتصميم الكتب، من بينها كتاب تعبوي للجيش اللبناني بعنوان "التنشئة الوطنية الإنسانية".

أول اتحاد للتشكيليين الفلسطينيين

أسس شمّوط بعد المؤتمر الأول لمنظمة التحرير عام 1964 "قسم الثقافة الفنية" في دائرة الإعلام والتوجيه القومي في القدس، وترأسه حتى عام 1984.

كان شموط اول امين عام لاتحاد الفنانين التشكيليين الفلسطينيين-فيسبوك

كان شموط اول امين عام لاتحاد الفنانين التشكيليين الفلسطينيين-فيسبوك

كما أسس مع عدد من زملائه الفنانين أول اتحاد عام للفنانين التشكيليين الفلسطينيين عام 1969، وأسهم في تأسيس الاتحاد العام للفنانين التشكيليين العرب عام 1971، وكان أمينه العام الأول.

بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، انتقل إلى الكويت حتى عام 1992، ثم إلى ألمانيا حتى عام 1994، ليستقر بعدها في عمّان.

أنتج شمّوط مئات اللوحات، وأقام معارض فردية في العديد من العواصم، واقتنت أعماله متاحف ومؤسسات فنية مرموقة، وكُتِبت عنه عشرات الدراسات المتخصّصة. ورغم هذا، ظلّ هو نفسه؛ الفتى الذي يحدّق في جرحه القديم الذي لم يلتئم.

جرح اللجوء المرير ظلّ حاضرًا في أعماله، سواء تلك التي تناولت اللجوء الأول، أو تطوّرات القضية الفلسطينية من المقاومة المسلحة إلى انتفاضة الحجارة، لاستعادة وطن سليب، وشقيق صغير قضى في الطريق إلى خيمة مؤقتة في غزة.

وعكست انتقالاته الكثيرة بين المدن والمنافي سيرة النزوح المتواصل لشعبه، لكن من دون أن تمسّ جوهر انشغالاته التشكيلية التي ظلت تدور حول ثيمات كبرى تشكّلت مبكرًا، ورافقته في مسيرة امتدت لأكثر من نصف قرن، بقي فيها وفيًا لأسلوبه العام، ولفلسطينه التي ندر أن غابت عن أي من أعماله.

توفي شمّوط في مدينة لايبزيغ الألمانية في الثالث من يوليو/ تموز 2006، ودُفن في عمّان.